أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

272

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بالاستقرار الذي تضمّنه قوله « من عند اللّه » . قوله : مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ متعلّق بويل أو بالاستقرار في الخبر ، و « من » للتعليل ، و « ما » موصولة اسمية والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة وليس كقوة الأول والعائد أيضا محذوف أي : كتبته ، ويجوز أن تكون مصدرية أي : من كتبهم ، و وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ مثل ما تقدّم قبله ، وإنما كرّر « الويل » ليفيد أنّ الهلكة متعلقة بكلّ واحد من الفعلين على حدته لا بمجموع الأمرين ، وإنّما قدّم قوله : « كتبت » على « يكسبون » لأن الكتابة مقدّمة فنتيجتها كسب المال ، فالكتب سبب والكسب مسبّب ، فجاء النّظم على هذا . قوله تعالى : إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . . هذا استثناء مفرّغ ، فأيّاما منصوب على الظرف بالفعل قبله ، والتقدير : لن تمسّنا النار أبدا إلا أياما قلائل يحصرها العدّ ، لأن العدّ يحصر القليل ، وأصل أيّام : أيوام لأنه جمع يوم ، نحو : قوم وأقوام ، فاجتمع الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فوجب قلب الواو ياء وإدغام الياء في الياء ، مثل هيّن وميّت . قوله : أَتَّخَذْتُمْ الهمزة للاستفهام ، ومعناه الإنكار والتقريع ، وبها استغني عن همزة الوصل الداخلة على « اتّخذتم » كقوله : « أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ » « 1 » ، « أَصْطَفَى » « 2 » وبابه . وقد تقدّم القول في تصريف « أَتَّخَذْتُمْ » وخلاف أبي علي فيها . ويحتمل أن تكون هنا متعدية لواحد . قال أبو البقاء : « وهو بمعنى جعلتم المتعدية لواحد » ، ولا حاجة إلى جعلها بمعنى « جعل » في تعدّيها لواحد ، بل المعنى : هل أخذتم من اللّه عهدا ، ويحتمل أن تتعدّى لاثنين ، والأول « عهد » ، والثاني « عند اللّه » مقدّما عليه ، فعلى الأول يتعلّق « عند اللّه » باتّخذتم ، وعلى الثاني يتعلّق بمحذوف . ويجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام « قل » قبلها فتفتح وتحذف الهمزة وهي لغة مطّردة قرأ بها نافع في رواية ورش عنه . قوله : فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ هذا جواب الاستفهام المتقدّم في قوله : « أتّخذتم » وهل هذا بطريق تضمين الاستفهام معنى الشرط ، أو بطريق إضمار الشرط بعد الاستفهام وأخواته ؟ قولان ، تقدّم تحقيقهما . واختار الزمخشري القول الثاني ، فإنه قال : « فلن يخلف » متعلّق بمحذوف تقديره : « إن اتّخذتم عند اللّه عهدا فلن يخلف اللّه عهده » . وقال ابن عطية : « فلن يخلف اللّه عهده » : اعتراض بين أثناء الكلام . كأنه يعني بذلك أنّ قوله : « أم تقولون » معادل لقوله : « أتّخذتم » فوقعت هذه الجملة بين المتعادلين معترضة ، والتقدير : أيّ هذين واقع ؟ اتّخاذكم العهد أم قولكم بغير علم ، فعلى هذا لا محلّ لها من الإعراب ، وعلى الأول محلّها الجزم . قوله : أَمْ تَقُولُونَ « أم » هذه يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون متصلة فتكون للمعادلة بين الشيئين ، أي : أيّ هذين واقع ، وأخرجه مخرج المتردّد فيه ، وإن كان قد عالم وقوع أحدهما ، وهو قولههم على اللّه ما لا يعلمون للتقرير ، ونظيره : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 3 » وقد علم أيّهما على هدى وأيّهما في ضلال ، وقد عرفت شروط المتصلة أول السورة . ويجوز أن تكون منقطعة ، فتكون غير عاطفة ، وتقدّر ب بل والهمزة والتقدير : بل أتقولون ، ويكون الاستفهام للإنكار لأنه قد وقع

--> ( 1 ) سورة سبأ ، آية ( 8 ) . ( 2 ) سورة الصافات ، آية ( 153 ) . ( 3 ) سورة سبأ ، آية ( 24 ) .